بناء الشخصية

ماهو مفهوم الذكاء الوجداني

الذكاء الوجداني

أسبقَ لك وتعاملت مع شخصًا ما لديه قدرة على التعامل مع شخصيات حسّاسة؟ وهل وجودك بجانبه وتعاملك معه يضفي عليك شيئًا من الراحة والطمأنينة؟ إذا كانت الإجابة بـ نعم، فدعني أُطلعك على سره الصغير، وهو أن ذلك الشخص يتحلى بما يعرف باسم الذكاء الوجداني، ولكن ما هو وما النظريات التي قام عليها؟ هذا هو جوهر موضوعنا.

الذكاء

يُعرف الذكاء على أنه عدة قدرات عقلية تُمكنّك من اكتساب التعلم والمعرفة وحل المشكلات، أما بالنسبة للانفعال، تم تعريفه في معجم السمات الوجدانية على أنه حالة وجدانية فجائية وقوية، وليست منظمة، وتكون غير متشابهة مع حالتك الاعتيادية، إذ أنها تتصف بالتوتر والتنبيه والاستثارة والرغبة الشديدة في إتمام أمر ما.

أيضًا يُعرف الذكاء على أنه مجموعة من المهارات المكتسبة التي تساعد المرء على إتمام المهام وتحقيق الإنجازات والطموحات، وهذا بالنسبة لمفهوم الذكاء، ولكن ماذا يحمل مصطلح “الذكاء الوجداني” من معانٍ؟ فنعلم أنه يُعد من المصطلحات الغريبة على مسامعك، وإليك ما يحمله بين طياته.

مفهوم الذكاء الوجداني

يكمن مفهوم الذكاء الوجداني في أنه أحد أنواع الذكاء الذي يتمثل في اعتقادين؛ الأول هو أن الانفعالات تحول التفكير إلى أكثر ذكاءً، والآخر هو أن التفكير أصله ذكي تجاه حالات الانفعال، إذ يكون قادر على تنظيمها والتمعن فيها، وهذا بمثابة إجابة على تساؤلاتك حول ما هو الذكاء الوجداني.

يتضمن الذكاء الوجداني قدرة المرء على إدراك وفهم الانفعالات بأكثر دقة وسرعة، وسهولة التعبير عنها وتقييمها، إضافة إلى إمكانية توليد انفعالات جديدة والوصول إليها، ويُمكنك معرفته عن طريق القيام بعدة قدرات منفصلة ومتوافقة مع بعضها البعض، أي تكون قدرتك مرتفعة في فهم انفعالات الغير من خلال حساسيتك في قراءة الإشارات.

أهمية الذكاء الوجداني

قبل التحدث عن أهميته لابد أن نشير إلى أنه مُتعلق بالتدريب والممارسة على نقيض الذكاء العقلي الذي يخضع لعوامل وراثية أي مُكتسبة، وقد أثبتت نظريات الذكاء الوجداني أن له سمة أو عدة سمات تميزه، ويمكن أن يتدرب المرء عليها وينمي مهاراته عن طريق مجموعة من الأساليب والنصائح التي تم كتابتها من قِبَل الخبراء، وإليك أهميته:-

  • له دور فعّال ومؤثر في توافق الطفل مع أفراد عائلته وأقرانه، مما يجعله ينمو سويًا ومنسجمًا مع الحياة، الأمر الذي يزيد من كفاءة تحصيله الدراسي والعلمي.
  • يساعد المرء على سهولة تجاوز مرحلة منتصف العُمر، وجميع الأزمات التي تُعيقها، على سبيل المثال، مرحلة المراهقة.
  • يلعب دورًا مهمًا في جعل الحياة الزوجية أكثر استقرارًا؛ نظرًا لأن التعبير عن المشاعر ومحاولة فهم الطرف الآخر مع مراعاة مشاعره بأسلوب ناضج، يجعل تلك الحياة مثالية.
  • عامل فعّال وراء نجاح المرء في العمل والحياة عامةً، فمن هم أكثر ذكاءًا ومثابرة قادرون على التواصل مع غيرهم والقيادة، كما يتميزون بإصرارهم على التفوق.

بعد اكتشافك أهمية تحلي المرء بالذكاء الوجداني أعتقد أنك ترغب الآن في تجربته والتدريب عليه، لهذا جئنا لك بعدة مهارات تساعد على تكوينه لديك، وسوف نستعرضها أمامك في السطور التالية.

مهارات تكوين الذكاء الوجداني

عندما تقوم بالبدء بممارسة مهارة الذكاء الوجداني، ستجد أن المعلومات التي توجد في عقلك تنتقل بين مركزي المنطق والمشاعر، حيث عندما تكون متمرّس في تلك المهارة ستبدأ في التدفق بشكل انسيابي في الاتجاهين معًا، ومن المهارات التي يُنصح بممارستها لتجعل ذكاءك الوجداني أعلى، هي كما يلي:-

مهارة الوعي بالذات

يُعرف بأنه الوعي بالذات، وهو أن تُدرك بذاتك كما هي، وهذا لا يعني أن تعي أنك تحب تناول التفاح على سبيل المثال، فإن الأمر يكون أكثر عُمقًا من ذلك، حيث أن المقصود بها هو الوعي الكامل لكافة التفاعلات التلقائية الشعورية التي تنطلق تجاه موقف معين تقع فيه قبل أن تسنح لك فرصة للاستجابة لها.

إن معرفتك الشعور لحظة حدوثة يُعد الركيزة الأساسية في مهارة الذكاء الوجداني، وعليك أن تقوم بتخصيص وقت معين لملاحظة المشاعر بداخلك وفهمها جيدًا؛ حيث أنك إذا لم تحاول فهمها، سوف تظهر في وقت لا تتوقعه، ونعلم أن مواجهة النفس بحقيقة الذات من الممكن أن تكون في بعض الأحيان من الأمور المستعصية والمزعجة، ولكن لا يمكننا أن نتجاهل أهمية الأمانة والصدق، فهما يُعدان من إحدى متطلبات التواصل الجيد مع الميول والمشاعر.

مهارة إدارة الذات

المقصود بها هي المقدرة على الاستعمال الأفضل لوعيك بمشاعرك بهدف اختيار جيد لما تقوم به وتقوله، ومن الممكن أن يتخيل لك أن إدارة المشاعر والذات تعني أن تضع كافة مشاعرك في زجاجة ثم تغلقها عندما ينتابك إحساس بالانفعال، ولكن كل ما عليك فعله هو تعلُّم كيفية الخروج من تلك الحالة مع مراعة التعامل معها والاستجابة لها.

تظهر هنا أهمية مهارة الوعي بالذات، إذ عند تحققها يصبح بإمكانك اختيار طريقة الاستجابة المناسبة لهذه المشاعر، ومن أهم الأمور التي ينبغي عليك تعلُّمها حتى تستطيع إتقان تلك المهارة هي عملية التنفس، فعندما تمر بفترة عصيبة أي تكون مثلًا تحت ضغط أو في موقف عاطفي، لابد أن تصبّ تركيزك على استنشاق أنفاسك بعُمق وبُطء.

مهارة الوعي الاجتماعي

إن الوعي الاجتماعي يكون معتمدًا على قدرتك على فهم ومعرفة مشاعر الآخرين، ورؤية الأمور من منظورهم سوف يساعدك على الفهم والرؤية بصورة أكثر وضوح ودقة، علاوة على ذلك أنه سيكون مؤثرًا على علاقات عدة خاصةً في الأمور المالية، وإذا أردت أن تبني تلك المهارة لابد أن تعلم أنك ستجد نفسك تراقب الأشخاص في كافة أنماط المواقف ولغة الجسد وتعبيرات الوجه والمشاعر، وبعد ذلك ستستخدمها.

يكمن هنا الوعي الاجتماعي في التيقن من قدرتك على الحضور وتوجيه اهتمامك كاملًا إلى الآخرين، أي أن الأمر الرئيسي فيه هو الإنصات، فأنت لا ينبغي أن تتوقف عن الاستماع لكلماتهم، وليس ذلك فحسب بل أيضًا إلى نبرة صوتهم، ومستواه وسرعته، والرسائل التي تكمُن خلف تلك الكلمات.

مهارة إدارة العلاقات

العمل على تنمية علاقة ما يستغرق قدرًا كبيرًا من الجهد، والوقت، والخبرة، ويُقصد بالخبرة هنا هو الذكاء الوجداني، كما أن مهارة إدارة العلاقات ترتبط بشكل كبير بالمهارات الأخرى، حيث أنها تكون معتمدة على ملاحظتك لمشاعرك وطريقة تعبيرك عنها وتعامل مع الآخرين تبعًا لها.

ترجع مهارة الوعي الاجتماعي بالنفع عليها، إذ تُمكنّك من فهم مشاعر وحاجات الآخرين، مما تتصرّف بشكل صحيح يجعلك تبني علاقات جيدة، وتقبُّل مشاعر من حولك يُعد من إحدى مفاتيح مهارة إدارة العلاقات، إذ عندما تأخذ وقتًا ما لمعرفة مشاعرهم، وشرحها وإبداء تعاطفك معهم، ستجد شخصًا يمكنك فهم مشاعره وتقبلها، مما تصبح العلاقة بينكما قوية.

اقرأ أيضاً: الذكاء العاطفي في العمل

مكونات الذكاء الوجداني

إن علماء النفس قد اقترحوا أنه يوجد أربعة مستويات متنوعة تُكوّن الذكاء الوجداني، ويتم ترتيبهم تبعًا للتعقيدات مع العمليات الرئيسية في أدنى المستويات التي تشمل إدراك المشاعر والتعبير عنها، والعمليات المتقدمة في أعلى المستويات التي تتطلب مشاركة واعية منطوية على إدارة العواطف، وإليك مكونات الذكاء الوجداني الأربعة في السطور التالي:-

إدراك المشاعر

إذا كنت ترغب في فهم المشاعر فينبغي عليك إدراكها أولًا بدقة، حيث في عدة حالات، من الممكن يشمل ذلك فهم كافة الإشارات غير اللفظية، على سبيل المثال، تعبيرات الوجه ولغة الجسد، وهذه تُعد أهم مكونات الذكاء الوجداني.

الاستدلال بالعواطف

يشتمل المكون الثاني على استعمال عواطفك من أجل تعزيز نشاطك وتفكيرك المعرفي، وذلك لمساعدة تلك العواطف على تحديد ما تتفاعل معه وتُركز عليه، أي تُصبح تستجيب بشكل عاطفي للأشياء والأمور التي تعمل على لفت انتباهك.

فهم العواطف 

من الممكن أن تحمل المشاعر التي تدركها باقة مليئة بالمعاني، فمثلًا إذا كان هناك شخصًا ما يقوم بالتعبير عن مشاعره المليئة بالغضب، يأتي دورك هنا وهو معرفة وتفسير السبب الرئيسي وراء غضبه، وما الذي يعنيه تجاه ذلك.

إدارة العواطف

تعد القدرة على إدارة الأحاسيس بشكل فعّال هي الركيزة الأساسية في الذكاء الوجداني وتمثل المستوى الأعلى، كما أن تنظيمها والاستجابة لها بشكل ملائم والاستجابة إلى مشاعر الآخرين تعتبر جميعها من الجهات المهمة في الإدارة العاطفية.

تأثير الذكاء الوجداني

في السنوات السابقة، ازداد اهتمام الأشخاص بتعلُّم وتعليم الذكاء الوجداني، مما أصبحت برامج التعلُّم جزء لا يتجزأ من المناهج الدراسية في مدارس عدة، ويكمُن الهدف من تلك المبادرة هو تعزيز الرفاهية والصحة ومساعدة الطلاب على النجاح بشكل أكاديمي والحد من ظاهرة التنمر، وتوجد أمثلة كثيرة، وإليك تأثير الذكاء الوجداني:-

التفكير قبل الرد

الشخص الذي يتحلى بالذكاء الوجداني يعرف أن المشاعر من الممكن أن تكون قوية، على الرغم من أنها مؤقتة، وفي حين حدوث أي حدث وجداني شديد؛ على سبيل المثال، الغضب من شخصًا ما، فإنها سوف تستغرق وقتًا قبل أن تستجيب، الأمر الذي يسمح للآخرين بتهدئة مشاعرهم، وفهمها بشكل عقلاني.

زيادة الوعي الذاتي

الشخص الذكي وجدانيًا ليس جيد في معرفة ما يشعر به الآخرون فقط، بل هو بارع أيضًا في فهم مشاعرهم، حيث أن الوعي الذاتي يتيح للمرء بالنظر في الكثير من الأمور المتنوعة التي له دور كبير في عواطفهم.

التعاطف مع الآخرين

يرتكز جزء كبير من الذكاء الوجداني في قدرة المرء على التفكير والتعاطف مع ما يشعر به تجاه الأشخاص، ويشتمل ذلك في الغالب على كيفية الرد في حالة كنت في ذات الموقف، كما أن المرء الذي يتمتع بذكاء وجداني قوي قادر على فهم وجهات نظر وعواطف وتجارب من حوله مع استعمال تلك المعلومات لتوضيح السبب وراء تصرفهم.

تاريخ الذكاء الوجداني

لم يأتِ الذكاء الوجداني كمصطلح في لغتنا العامية حتى عام 1990م، بالرغم من أنه يُعد من المصطلحات الجديدة بصورة نسبية، إذ أن الاهتمام بالمفهوم قد نما بصورة كبيرة منذ هذا الوقت، ويشتمل تاريخ الذكاء الوجداني وتطوره عن طريق التالي:-

النمو المبكر

في القرن الماضي، تحديدًا في الثلاثينات، قام عالم النفس إدوارد ثورندايك بإيضاح معنى الذكاء الوجداني، وهو معرفة التعايش مع الآخرين، وفي الأربعينات، قام عالم النفس ديفيد ويتشلر باقتراح أن المكونات الفعالة المتنوعة من الممكن أن يكون لها دورًا هامًا في مساعدة الأشخاص على النجاح في الحياة.

التطورات اللاحقة 

ظهرت مدرسة الفكر المشهورة باسم “علم النفس الإنساني” في الخمسينات، وقام المفكرين منهم أبراهام ماسلو بتركيز اهتمامه على الطرق المتنوعة التي تتيح للمرء عن طريقها ببناء القوة الوجدانية، وهناك مصطلح آخر مهم قد ظهر في تحسين الذكاء الوجداني، وهو فكرة الذكاءات المختلفة، حيث أن هذا المصطلح قد طرحه “هوارد جاردنز” تحديدًا في منتصف السبعينات، فقام بتقديم فكرة حول أن الذكاء يُعد أكبر من كونه مجرد قدرة عامة.

ظهور الذكاء الوجداني 

اُستخدم مفهوم الذكاء الوجداني في عام 1980 لأول مرة، وكان ذلك في أطروحة دكتوراة واين باين، وتم نشر مقال من قبل مجلة نسا في عام 1987، تم استخدام مفهوم الحاصل الوجداني فيه من قبل كيث بيسلي، كما تم نشر مقال تاريخي عن هذا الموضوع من قبل عالما النفس جون ماير وبيتر سالوفي في عام 1990، وقاموا بتعريف الذكاء الوجداني على أنه القدرة على مراقبة أحاسيس ومشاعر الآخرين، وتمييزها، ثم استعمالها لتوجيه تفكيره وأفعاله.

كيف أعرف إذا كان لدي مهارة الذكاء الوجداني؟ أو كيف أعرف أنني قد أصبحت ماهرًا فيها؟ لعلك تطرح على نفسك تلك التساؤلات، ولهذا يجدر بنا الإشارة إلى وجود اختبارات معينة تساعدك على معرفة مدى ذكائك الوجداني، وفيما يلي سوف نتحدث عنها باستفاضة.

كيف يتم قياس الذكاء الوجداني في علم النفس؟  

ظهرت مجموعة من التقييمات المتنوعة بهدف قياس مستوى الذكاء الوجداني للمرء، وتم تقسيمها بشكل عام إلى نوعين، وهما اختبارات القدرة واختبارات التقرير الذاتي، وفي حالة كان الموجه النفسي يقوم بإجراء اختبار لذكاء وجداني يتم إدارته من قبل متخصص في مجال الصحة العقلية، فيوجد مقياسين متاح استعمالهما، وإليك أبرز تلك الاختبارات:-

اختبارات التقرير الذاتي

إن تلك الاختبارات تُعد الأكثر شيوعًا؛ نظرًا لأنها سهلة من حيث النتيجة والإدارة، ويرد المستجيبون على تلك العبارات أو الأسئلة مصنفين سلوكياتهم، مثلًا “أشعر دائمًا أنني مدرك تمامًا بما يشعر به الأشخاص”، ومن الممكن أن يقوم المتقدم بوصف الاختبار بأنه غير موافق أو موافق أو موافق بشدة، وهكذا.

اختبارات القدرة

تشتمل اختبارات القدرة على جعل الآخرين يستجيبون للمواقف، ثم يقوموا بتقييم مهاراتهم، وفي الأغلب يحتاج هذا الأمر مثل تلك الاختبارت من أجل إثبات مهاراتهم المختلفة وقدراتهم التي تُصنف بواسطة طرف ثالث بعد ذلك.

اختبار Mayer -Salovey- Caruso

عبارة عن اختبار قائم على القدرات، يقوم بقياس الفروع الأربعة لهذا النموذج، ويقوم المتقدم للاختبار بتأدية كافة مهام المصممة من أجل تقييم قدرتهم على تحديد ومعرفة وإدارة وفهم العواطف، ويُعد من أفضل الاختبارات التي تقيس مستوى الذكاء الوجداني للفرد.

اختبار جرد الكفاءة الوجدانية والاجتماعية

إن هذا الاختبار يكون معتمدًا على أداة قديمة يُطلق عليها اسم “استبيان التقييم الذاتي”، ويشمل وجود أفراد يعرفون تقييمات العرض الفردي لمعرفة قدرات الأشخاص في كفاءات عاطفية كثيرة ومختلفة.

في النهاية نكون قد ألممنا بكل ما يتعلق بمصطلح الذكاء الوجداني ومهاراته ومفهومه، ويجدر التنويه أنه من الرائع فهم ومعرفة ما يدور في بال الآخرين، كما أنه هام جدًا في إنجاح العلاقات.

اقرأ أيضاً: أهمية مهارات الذكاء العاطفي

السابق
ماهو التفويض الفعال وفوائده
التالي
صفات الشخصية المحبوبة